محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وعنى بالكتاب الذي أوتي موسى : التوراة . وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ يقول : وجعلنا الكتاب الذي هو التوراة بيانا للحق ، ودليلا لهم على محجة الصواب فيما افترض عليهم ، وأمرهم به ، ونهاهم عنه . وقوله : أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة أَلَّا تَتَّخِذُوا بالتاء بمعنى : وآتينا موسى الكتاب بأن لا تتخذوا يا بني إسرائيل مِنْ دُونِي وَكِيلًا . وقرأ ذلك بعض قراء البصرة : " ألا يتخذوا " بالياء على الخبر عن بني إسرائيل ، بمعنى : وجعلناه هدى لبني إسرائيل ، ألا يتخذ بنو إسرائيل ، من دوني وكيلا ، وهما قراءتان صحيحتا المعنى ، متفقتان غير مختلفتين ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب ، غير أني أوثر القراءة بالتاء ، لأنها أشهر في القراءة وأشد استفاضة فيهم من القراءة بالياء . ومعنى الكلام : وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا حفيظا لكم سواي . وقد بينا معنى الوكيل فيما مضى . وكان مجاهد يقول : معناه في هذا الموضع : الشريك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا قال : شريكا . وكأن مجاهد ا جعل إقامة من أقام شيئا سوى الله مقامه شريكا منه له ، ووكيلا للذي أقامه مقام الله . وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الآية ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ جعله الله لهم هدى ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وجعله رحمة لهم . القول في تأويل قوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ يقول تعالى ذكره : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ذريه من حملنا مع نوح . وعنى بالذرية : جميع من احتج عليه جل ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمم ، عربهم وعجمهم من بني إسرائيل وغيرهم ، وذلك أن كل من على الأرض من بني آدم ، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح في السفينة . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ والناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة ؛ وذكر لنا أنه ما نجا فيها يومئذ غير نوح وثلاثة بنين له ، وامرأته وثلاث نسوة ، وهم : سام ، وحام ، ويافث ؛ فأما سام : فأبو العرب ؛ وأما حام : فأبو الحبش ؛ وأما يافث : فأبو الروم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ قال : بنوه ثلاثة ونساؤهم ، ونوح وامرأته . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قالا : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : قال مجاهد : بنوه ونساؤهم ونوح ، ولم تكن امرأته . وقد بينا ذريه من حملنا مع نوح في غير هذا الموضع فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وقوله : إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً يعني بقوله تعالى ذكره : " إنه " إن نوحا ، والهاء من ذكر نوح ، كان عبدا شكورا لله على نعمه . وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سماه الله من أجله شكورا ، فقال بعضهم : سماه الله بذلك لأنه كان يحمد الله على طعامه إذا طعمه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن بن مهدي ، قالا : ثنا سفيان ، عن التيمي ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، قال : كان نوح إذا لبس ، ثوبا أو أكل طعاما حمد الله ، فسمي عبدا شكورا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن عبد الله بن سنان ، عن سعيد بن مسعود بمثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن عبد الله بن سنان ، عن سعيد بن مسعود قال : ما لبس نوح جديدا قط ، ولا أكل طعاما قط إلا حمد الله